فخر الدين الرازي

108

تفسير الرازي

سبب فدكتا ، أي فدكت الجملتان جملة الأرض وجملة الجبال ، فضرب بعضها ببعض ، حتى تندق وتصير كثيباً مهيلاً وهباء منبثاً والدك أبلغ من الدق ، وقيل : فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً من قولك : اندك السنام إذا انفرش ، وبعير أدك وناقة دكاء ومنه الدكان . المسألة الثانية : قال الفراء : لا يجوز في دكة ههنا إلا النصب لارتفاع الضمير في دكتا ، ولم يقل : فدككن لأنه جعل الجبال كالواحدة والأرض كالواحدة ، كما قال : * ( أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ) * ( الأنبياء : 30 ) ثم قال تعالى ولم يقل : كن . * ( فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ) * . أي فيومئذ قامت القيامة الكبرى وانشقت السماء لنزول الملائكة : * ( فهي يومئذ واهية ) * أي مسترخية ساقطة القوة * ( كالعهن المنفوش ) * بعدما كانت محكمة شديدة . * ( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) * . ثم قال تعالى : * ( والملك على أرجائها ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( والملك ) * لم يرد به ملكاً واحداً ، بل أراد الجنس والجمع . المسألة الثانية : الأرجاء في اللغة النواجي يقال : رجا ورجوان والجمع الأرجاء ، ويقال ذلك لحرف البئر وحرف القبر وما أشبه ذلك ، والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء ، فإن قيل : الملائكة يموتون في الصعقة الأولى ، لقوله : * ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض ) * ( الزمر : 68 ) فكيف يقال : إنهم يقفون على أرجاء السماء ؟ قلنا : الجواب من وجهين : الأول : أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون الثاني : أن المراد الذين استثناهم الله في قوله : * ( إلا من شاء الله ) * ( الزمر : 68 ) . قوله تعالى : * ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : هذا العرش هو الذي أراده الله بقوله * ( الذين يحملون العرش ) * ( غافر : 7 ) وقوله : * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) * ( الزمر : 75 ) . المسألة الثانية : الضمير في قوله : * ( فوقهم ) * إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان الأول : وهو الأقرب أن المراد فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش الثاني : قال مقاتل : يعني أن الحملة يحملون العرش فوق رؤوسهم . و ( مجيء ) الضمير قبل الذكر جائز كقوله : في بيته يؤتي الحكم .